• الأمين العام الثاني

  • الأمين العام الثاني

    الشهيد السيد عبد المجيد الخوئي (رضوان الله عليه)

     

    ولد العلامة السيد عبد المجيد ابن المرجع الديني الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي (قده) في ١٥ من شهر ربيع الاول ١٣٨٢هـ الموافق ١٦ من شهر اغسطس (آب) ١٩٦٢م في النجف الأشرف، حيث ترعرع في أحضان والده ووالدته الكريمة ونهل من نبعهما الصافي حب الخير والعطاء والعمل الصالح إلى بواكير وعيه الأولى حيث أولاه سماحة المرجع الأعلى إلى أخيه الشهيد السيد محمد تقي الخوئي الذي اشرف على تدرجه في مراحل الحياة.

     

    الدراسة الدينية

    بدأ الشهيد السيد عبد المجيد الخوئي (قده) دراسته الدينية في سنة ١٣٩٥هـ، بعد أن أنهى الدراسة المتوسطة وانتقل للدراسة في الحوزة العلمية فقرأ العلوم الأدبية والمنطق وبعض المتون الفقهية عند المهرة من أساتذة هذه الحاضرة العلمية النجفية. والحوزة مدارس وليست مدرسة، هي بمثابة جامعة مفتوحة، وليس هناك مكان معين تذهب إليه للدراسة، بل الطالب يدرس على يد أي استاذ يريد، بعد الاتفاق معه على المكان والوقت المعين، وهكذا يتم الاتفاق مع أساتذة عدة وحسب المواد التي يريد أن يدرسها الطالب.

     

    وبعد أن اكمل دراسة المقدمات واصل دراسته للسطوح العالية على يد اساتذة قديرين منهم السيد محمد رضا الخلخالي والشيخ عبد الحسين آل صادق واخيه السيد محمد تقي الخوئي والشيخ باقر الايرواني، حيث حضر بعدها بحث خارج والده الإمام الخوئي (قده) سنة ١٤٠٤هـ حتى خروجه من العراق مضطرا بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة عام ١٩٩١م.

     

    سفير النجف الأشرف الى العالم

    لقد كان الشهيد السيد عبد المجيد الخوئي يشارك اخاه الشهيد السيد محمد تقي الخوئي ادارة شؤون المرجعية منذ منتصف الثمانينيات وقد كان موضع ثقته واعتماده ولذلك نص الإمام الخوئي على أن الشهيد الراحل يلي اخاه السيد محمد تقي في تولي وادارة الموقوفات حيث نص على ذلك في البند الثالث الملحق بالمادة الاولى من حجية الوقف لدى دولة الكويت: "التولية من بعد ولدي السيد محمد تقي الخوئي لولدي السيد عبد المجيد الخوئي".

     

    وبعد أن اضطر الفقيد الى مغادرة العراق سنة ١٩٩١م استقر به المقام في لندن ليبدا نشاطه من جديد كقائم مقام للأمين العام لمؤسسة الإمام الخوئي الخيرية وفي سنة ١٩٩٤م تسلم الأمانة العامة بعد استشهاد الأمين العام الاول اخيه السيد محمد تقي الخوئي.

     

    لم يكن الجانب الحوزوي مستحوذاً على كامل شخصية الشهيد السيد عبد المجيد بل كانت تتملك هذه الشخصية أبعاد اجتماعية وسياسية مختلفة تكاملت فيما بينها لتصوق شخصية ذات حضور قوي ومؤثر في مجريات الامور العامة، فقد كانت أنشطة الشهيد سلسلة متصلة الحلقات من الكفاح والجهاد لخدمة المسلمين، وبثّ روح الاخوة بين طائفتي المسلمين الكبيرتين، فان مشكلة الانقسام الحادث في الامة هي المشكلة الاولى التي تؤرق كل مسلم مخلص وعالم غيور على امته، وانها لتفرض على الجميع ايجاد السبيل الحاسم الى حلها ورفع آثارها المدمرة عن الامة وابنائها، وطرد شبحها المخيم على ربوعها واجوائها. ومن هنا فقد عمل الفقيد بجود وشعور عال بالمسؤولية على اشاعة المحبة والتفاهم بين المسلمين للتقريب بين المذاهب الإسلامية، فنظم وشارك في الندوات والمؤتمرات، وبذلك استطاع تحقيق الكثير من الخطوات العملية، لايجاد ارضية للتفاهم بين اطراف الامة الاسلامية لغرض الدفاع عن قضاياهم بصورة جماعية.

     

    ولم يكن طموح الشهيد السعيد يتوقف عند هذا الحد، فإن من أهم القضايا التي تشغل عقول الصفوة من العلماء والمفكرين، وتستقطب اهتمام المشتغلين بالدراسات المستقبلية، والمهتمين بإقامة حوار الحضارات على جميع مستوياته، قضية التعايش بين الأديان، بما تطرحه من مسائل تتشعب عنها، وبما تفرضه من تحديات تتخطى في معظمها النطاق الحضاري والديني والثقافي الى مجالات من الفكر والرأي والعمل أوسع، ومساحات من ردود الفعل أرحب.

     

    ولما كانت قضية التعايش بين الاديان بهذا القدر من التأثير في الواقع الإنساني لزم ان يكون للفكر الاسلامي موقف محدد ازاءها يستند الى رأي حصيف بشأنها يجلي الحقائق ويحدد المعالم بعد ان يزيل الشبهات ويدحضها ويفند المغالطات ويبطلها. ومن هنا دعا الشهيد وشارك في ندوات واجتماعات عالمية ضمّت اتباع الديانات السماوية الثلاث وغيرها من أجل تقريب وجهات النظر وتعاون أتباع هذه الديانات خدمة للبشرية جمعاء. كل ذلك يدل على سعة صدر، وعظمة همّة، وشموخ فكر.

     

    كذلك ركز الشهيد السيد عبد المجيد على قضية الشعب العراقي وما تعرض له من ظلم على يد النظام الصدامي البائد. فقد قام الشهيد بدور فعال في اثارة قضية الشعب العراقي امام المحافل الدولية خصوصا من خلال الامم المتحدة حيث اثارت المؤسسة ماساة الشعب العراقي وما تعرض له من قتل وتهجير وتشريد.

     

    الرؤية المستقبلية: إسلام قادم من الغرب

    تميز شهيدنا الغالي بنظرة مستقبلية ثاقبة. فقد كان يرى عن بصيرة أن "هذا القرن هو قرن الاسلام وبعث الاسلام من جديد على العالم اجمع، لكنه اسلام قادم من الغرب"، فكانه كان يستشرف برؤية مستقبلية المساهمة الكبيرة التي ستحققها الاجيال الاسلامية المتعمقة بالبعدين الاسلامي والانساني من خلال مزاوجتها بين الفكرين الاسلامي والانساني.

     

    لقد اسهم الفقيد في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة عن المسلمين في الغرب وتوضيح الجوهر الانساني العميق للاسلام وكان جهده في هذا المجال محط تقدير المحافل الدولية. وقد شارك في هذا المجال في الاعداد لمؤتمر دربان الدولي في جنوب افريقيا حول التمييز العنصري، قبل اشهر من انعقاده من خلال مؤتمر دولي اعدته واحتضنته مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في لندن وشارك فيه الكثير من الوجوه المعرفية العربية والإسلامية من الشخصيات الدينية والفكرية على نطاق واسع.

     

    كما تمثلت جهود الشهيد السيد عبد المجيد في نجاحه الكبير في عقد المؤتمر الدولي وبالتعاون مع الكلية الاسلامية في لندن لمواجهة ظاهرة الخوف من الاسلام (الاسلام فوبيا) خصوصا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠٠١م حيث ساهم في المؤتمر المذكور العديد من رجال الساسة والاكاديميين الكبار في العالم الغربي.

     

    العراق والنجف الاشرف: حلم العودة والشهادة

    لقد عمل الشهيد السيد عبد المجيد طوال مدة وجوده في الغرب على مسالة تعميق الثقة والتفاهم بين الاسلام والغرب. وكان الشهيد يرى ان للاجيال الاسلامية الجديدة دورا كبيرا في هذا المجال.

     

    لكن الحقيقة الفقيد كان يعمل ويحلم بالعودة للعراق والى مسقط راسه تحديدا النجف الاشرف. فقد كان الشهيد يحلم بمشاريع كبرى للنجف الاشرف كعاصمة للعلم الديني والثقافي في العالم الاسلامي خاصة وفي عموم العالم. لذلك كان هو اول الملبين لنداء العودة الى العراق لحظة سقوط النظام العراقي السابق بل اول الداخلين الى العراق، حيث كان في جعبته مشاريع تتخطى حدود النجف الاشرف وان كانت تنطلق منها.

     

    لكن احلام الشهيد الكبرى لم تتحقق. فقد ابت خناجر الغدر تحقيق اي منها اللهم الا حلما واحدا هو نيله الشهادة. لقد ظهر الحقد الدفين جليلاً واضحاً في يوم الخميس السابع من شهر صفر السنة ١٤٢٤هـ الموافق ١٠ نيسان ٢٠٠٣م حيث قامت مجموعة من الاراذل والاوباش بطعن الفقيد بالسكاكين والسيوف والخناجر حتى الموت، وكان هناك من يمكنه ردعهم وإيواؤه وحمايته!! وقد أدت تلك الطعنات الى استشهاده وهو على بعد امتار من مرقد امير المؤمنين الإمام علي (ع) وبالقرب من قبر والده الإمام الخوئي (قده) ليكون قريبا ممن احب بعد أن عجز عن تحقيق احلامه الاخرى.

     

    لقد استشهد عن عمر يناهز الواحد والأربعين، ودفن في النجف الأشرف بجنب والده وأخيه (رضوان الله تعالى عليهما) في الصحن العلوي الشريف في الحجرة الواقعة بينه وبين مسجد الخضراء.

     

    وما ان انتشر خبر استشهاده حتى اختلطت الفرحة باللوعة، فرحة زوال النظام الدكتاتوري ولوعة فقدان انسان مؤمن مخلص متفان في سبيل قضيته، فكان ذلك اليوم بحق يوماً حزيناً وكئيباً.

     

    واقيمت له مجالس تأبينية حافلة في اماكن في أماكن عديدة، وأبّنه الكثير من العلماء ورؤساء والمسؤولين والمثقفين والسياسيين وغيرهم، نظراً لشخصية الفقيد التي كانت تمتاز بقوة الابتكار وعمق التفكير وتوقد الذهن ودقة الإحساس وحدّة النظر، فكان موضع ثناء الجميع، ورثاه البعض الآخر بأبيات معبرة عن شدة الفاجعة وأليم الصدمه.

     

    فرحم الله الشهيد يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.